الشنقيطي
213
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يقولون إنه فعل ماض جاء على صورة الأمر . وبعضهم يقول : إنه فعل أمر لإنشاء التعجب ، وهو الظاهر من الصيغة ، ويؤيده دخول نون التوكيد عليه ؛ كقول الشاعر : ومستبدل من بعد غضيبا صريمة * فأحربه من طول فقر وأحريا لأن الألف في قوله « وأحريا » مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله في الخلاصة : وأبدلتها بعد فتح ألفا * وقفا كما تقول في قفن قفا والجمهور أيضا على أن صيغة التعجب الأخرى التي هي ما أفعله فعل ماض . خلافا لجماعة من الكوفيين في قولهم : إنها اسم بدليل تصغيرها في قول العرجي : يا ما أميليح غزلانا شدن لنا * من هؤلياتكن الضال السمر قالوا والتصغير لا يكون إلا في الأسماء . وأجاب من خالفهم بأن تصغيرها في البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه . قوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 39 ) [ 39 ] . الحسرة : أشد الندم والتلف على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه . والإنذار : الإعلام المقترن بتهديد ؛ أي أنذر الناس يوم القيامة . وقيل له يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على التفريط . وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ [ غافر : 18 ] الآية ، وقوله إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ( 46 ) [ سبأ : 46 ] . وأشار إلى ما يحصل فيه من الحسرة في مواضع أخر ؛ كقوله : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] الآية ، وقوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها [ الأنعام : 31 ] الآية ، وقوله : كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( 167 ) [ البقرة : 167 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقوله في هذه الآية الكريمة : وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ أي في غفلة الدنيا معرضون عن الآخرة . وجملة « وهم في غفلة » حالية ، والعامل فيها « أنذرهم » أي أنذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين . خلافا لمن قال : إن العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا « في ضلال مبين » . وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله هنا « إذ قضي الأمر » أي ذبح الموت . قال البخاري رحمه اللّه في صحيحه : ( باب قوله عز وجل : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ ) حدثنا عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يؤتى بالموت كالهيئة كبش